قيل قصة عجيبة حدثت مع دكتور مشهور و فتاة في الطائرة المتجه لبلاد الغرب
يقول حينما جلست في المقعد المخصَّص لي في الدرجة الأولى من الطائرة .. التي تنوي الإقلاع إلى عاصمة دولة غربية
كان المقعد المجاور لي من جهة اليمين ما يزال فارغاً .. بل إن وقت الإقلاع قد اقترب .. والمقعد المذكور ما يزال فارغ !!
قلت في نفسي .. أرجو أن يظل هذا المقعد فارغاً .. أو أن ييّسر الله لي فيه جاراً طيباً .. يعينني على قطع الوقت بالنافع المفيد ..
نعم .. إن الرحلة طويلة سوف تستغرق ساعات .. يمكن أن تمضي سريعاً حينما يجاورك من ترتاح إليه نفسك ..
ويمكن أن تتضاعف تلك الساعات حينما يكون الأمر على غير ما تريد !! ..
وقبيل الإقلاع .. جاء من شغل المقعد الفارغ !! .. فتــاة في مَيعة الصبا .. لم يكن حجابها وعباءتها ذات الأطراف المزينة .. أن تخفي ما تميزت به تلك الفتاة من الرقة والجمال ..
كان العطر فوَّاحاً .. بل إن أعين الركاب في الدرجة الأولى قد اتجهت إلى مصدر هذه الرائحة الزكية !! ..
لقد شعرت حينها أن مقعدي ومقعد مجاورتي أصبحا كصورتين يحيط بهما إطار منضود من نظرات الركاب !! ..
حينما وجهت نظري إلى أحدهم … رأيته يحاصر المكان بعينيه .. ووجهه يكاد يقول لي : ليتني في مقعدك ..
كنت في لحظتها أقول
.. لماذا يكون رائحة طيب المرأة بهذه الصفة ؟ ..
كان الجواب واضحاً في ذهني من قبل .. إن المرأة لزوجها .. ليست لغيره من الناس .. وما دامت له فإن طيبها ورائحة عطرها يكره أن تخرج به فإن قصدت التعرض للرجال حرم ..
كان هذا الجواب واضحاً .. ولكن ما رأيته من نظرات ركاب الطائرة التي حاصرت مقعدي ومقعد الفتاة .. قد زاد الأمر وضوحاً في نفسي .. وسألت نفسي .. يا ترى لو لم يفح طيب هذه الفتاة بهذه الصورة التي أفعمت جوَّ الدرجة الأولى من الطائرة .. أكانت الأنظار اللاهثة ستتجه إليها بهذه الصورة ؟ ..
عندما جاءت ( مظيفة الطائره ) بالعصير .. أخذت الفتاة كأساً من عصير البرتقال .. وقدمته إليَّ .. تناولته شاكراً .. وقد فاجأني هذا الموقف ! .. وشربت العصير وأنا ساكت .. ونظرات ذلك الشخص ما تزال تحاصرني !! ..
وجهت إليه نظري .. ولم أصرفه عنه حتى صرف نظره حياءً ـ كما أظن ـ ثم اكتفى بعد ذلك باختلاس النظرات إلى الفتاة المجاورة .. ولما أصبح ذلك ديدنه .. كتبت قصاصة صغيرة ( ألم تتعب من الالتفات ؟ ) .. فلم يلتفت بعدها !! ..
عندما غاصت الطائرة في السحاب الكثيف بعد الإقلاع بدقائق معدودات ..
اتجه نظري إلى ذلك المنظر البديع .. سبحــان الله العظيــم .. قلتها بصوت مرتفع .. وأنا أتأمل تلك الجبال الشاهقة من السحب المتراكمة .. التي أصبحنا ننظر إليها من مكان مرتفع ..
قالت الفتاة التي كانت تجلس بجوار النافذة .. إي والله سبحان الله العظيم .. ووجهت حديثها إلي قائلة .. إن هذا المنظر يثير الشاعرية الفذّة .. ومن حسن حظي أنني أجاور شاعراً يمكن أن يرسم لوحة شعرية رائعة لهذا المنظر ..
لم تكن الفتاة وهي تقول لي هذا على حالتها .. التي دخلت بها الطائرة !! ..
كلا .. لقد لملمت حجابها.. ووضعته داخل حقيبتها اليدوية الصغيرة !! ..
وكان وجهها ملوناً بألوان الطيف .. أما شعرها فيبدوا أنها قد صففته بطريقة خاصة تعجب الناظرين !! ..
قلت لها .. سبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم .. فلولا ما أتاح الله للبشر من كنوز هذا الكون الفسيح .. لما أتيحت لنا رؤية هذه السحب بهذه الصورة الرائعة ..
قالت .. إنها تدل على قدرة الله تعالى ..
قلت .. نعم تدل على قدرة مبدع هذا الكون وخالقه .. الذي أودع فيه أسراراً عظيمة .. وجعل فيه للناس مبادئ تحفظ حياتهم وتبلغهم رضى ربهم .. وتنجيهم من عذابه يوم يقوم الأشهاد ..
قالت .. ألا يمكن أن نسمع شيئاً من الشعر .. فإني أحب الشعر .. وإن هذه الرحلة ستكون تاريخية بالنسبة إليَّ .. ما كنت أحلم أن أسمع منك مباشرة ..
لقد تمنيت من أعماق قلبي .. لو أنها لم تعرف من أنا !! .. لقد كان في الذهن أشياء كثيرة أريد أن أقولها لها ..
وسكتُّ قليلاً .. كنت أحاور نفسي حواراً داخلياً مُربكاً !! ...
ما ذا أفعل .. هل أبدأ بنصيحة هذه الفتاة .. وبيان حقيقة ما وقعت فيه من أخطاء ظاهرة .. أم أترك ذلك إلى آخر المطاف ؟
وبعد تردد قصير .. عزمت على النصيحة المباشرة السريعة .. لتكون خاتمة الحديث معها ..
وقبل أن أتحدث .. أخرجت من حقيبتها قصاصات ملونة .. وقالت هذه بعض أوراق أكتبها .. أنا أعلم أنها ليست على المستوى الذي يناسب ذوقك .. ولكنها خواطر عبرت بها عن نفسي ..
وقرأت القصاصات بعناية كبيرة .. إني أبحث فيها عن مفتاح لشخصية الفتاة !! ..
إنها خواطر حالمة .. هي فتاة رقيقة المشاعر جداً .. أحلامها تطغي على عقلها بشكل واضح ..
لفت نظري أنها تستشهد بأبيات من شعري .. قلت في نفسي .. هذا شئ جميل لعل ذلك يكون سبباً في أن ينشرح صدرها لما أريد أن أقول ..
بعد أن قرأت القصاصات ..عزمت على تأخير النصيحة المباشرة .. وسمحت لنفسي أن تدخل في حوار شامل مع الفتاة ..
قلت لها .. عباراتك جميلة منتقاة .. ولكنها لا تحمل معنىً ولا فكرة كما يبدو لي .. لم أفهم منها شيئاً .. فماذا أردتِ أن تقولي … ؟
بعد صمت قالت .. لا أدري ماذا أردتُ أن أقول !! .. إني أشعر بالضيق الشديد .. خاصة عندما يخيَّم عليَّ الليل !! .. أقرأ المجلات النسائية المختلفة .. أتأمل فيها صور الفنانات والفنانين .. يعجبني وجه فلانة .. وقامة فلانة .. وفستان علاّنة .. بل يعجبني أحياناً ملامح أحد الفنانين .. فأتمنى لو أن ملامح زوجي كملامحه ..
فإذا مللت من المجلات .. اتجهت إلى الأفلام .. أشاهد منها ما أستطيع .. وأحس بالرغبة في النوم .. بل إني أغفو وأنا في مكاني .. فأترك كل شي وأتجه إلى فراشي .. وهناك يحدث ما لا أستطيع تفسيره .. هناك يرتحل النوم .. فلا أعرف له مكاناً !! ..
عجباً .. أين ذلك النوم الذي كنت أشعر به وأنا جالسة .. وتبدأ رحلتي مع الأرق .. وفي تلك اللحظات أكتب هذه الخواطر التي تسألني عنها ..
( إنها مريضة ) قلتها في نفسي .. نعم إنها مريضة بداء العصر !! .. القلق الخطير .. إنها بحاجة إلى علاج ..
قلت لها .. ولكن خواطرك هذه لا تعبر عن شي مما قلت إنها عبارات برَّاقة .. يبدو أنك تلتقطينها من بعض المقالات المتناثرة .. وتجمعينها في هذه الأوراق ..
قالت .. عجباً لك .. أنت الوحيد الذي تحدثت بهذه الحقيقة .. كل صديقاتي يتحدثن عن روعة ما أكتب .. بل إن بعض هذه الخواطر قد نشرت في بعض صحفنا .. وبعث إليَّ المحرر برسالة شكر على هذه الراوائع .. أنا معك أنه ليس لها معنى واضح .. ولكنها جميلة ..
وهنا سألتها مباشرة : هل لك هدف في هذه الحياة ؟!
بدا على وجهها الارتباك .. لم تكن تتوقع السؤال .. وقبل أن تجيب قلت لها :
هل لك عقل تفكرين به .. وهل لديك استقلال في التفكير ؟ .. أم أنك قد وضعت عقلك بين أوراق المجلات النسائية التي أشرت إليها .. وحلقات الأفلام التي ذكرت .. أنت تهرعين إليها عندما تشعرين بالملل ..
يا اختي تذكري أنك مسلمة ..
هنا تغيَّر كل شي .. أسلوبها تغيَّر .. جلستها على المقعد تغيرت .. قالت :
قالت إني ـ بحمد الله ـ مسلمة ومن أسرة مسلمة عريقة في الإسلام .. ..
إن عقلي حر ليس أسيراً لأحد .. إني أرفض أن تتحدث بهذه الصورة .. وانصرفت الفتاة إلى النافذة تنظر من خلالها إلى ملكوت الله العظيم ..
لم أعلق على كلامها بشيء .. بل إنني أخذت الصحيفة التي كانت أمامي .. وانهمكت في قراءتها .. ورحلت مع مقال في الصحيفة يتحدث عن الإسلام والإرهاب ( كان مقالاً طويلا مليئا بالمغالطات والأباطيل )
ولا أكتمكم أنني قد انصرفت إلى هذا الأمر كلياً .. حتى نسيت في لحظتها ما جرى من الحوار بيني وبين مجاورتي في المقعد .. ولم أكن أشعر بنظراتها التي كانت تختلسها إلى الصحيفة .. لترى هذا الأمر الذي شغلني عن الحديث معها ـ كما أخبرتني فيما بعد ـ
ولم أعد من جولتي الذهنية مع مقال الصحيفة إلا على صوتها وهي تتحدث الي من جديد..
يتبع